فخر الدين الرازي

193

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم ) * وفيه وجهان الأول : ولو آمن أهل الكتاب بهذا الدين الذي لأجله حصلت صفة الخيرية لأتباع محمد عليه الصلاة والسلام لحصلت هذه الخيرية أيضاً لهم ، فالمقصود من هذا الكلام ترغيب أهل الكتاب في هذا الدين الثاني : إن أهل الكتاب إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حباً للرياسة واستتباع العلوم ولو آمنوا لحصلت لهم هذه الرياسة في الدنيا مع الثواب العظيم في الآخرة ، فكان ذلك خيراً لهم مما قنعوا به . واعلم أنه تعالى أتبع هذا الكلام بجملتين على سبيل الابتداء من غير عاطف إحداهما : قوله * ( منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) * ( آل عمران : 110 ) وثانيتهما : قوله * ( لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ) * قال صاحب " الكشاف " : هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب ، كما يقول القائل : وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت ، ولذلك جاء * ( آمن ) * غير عاطف . أما قوله * ( منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) * ففيه سؤالان : السؤال الأول : الألف واللام في قوله * ( المؤمنون ) * للاستغراق أو للمعهود السابق ؟ . والجواب : بل للمعهود السابق ، والمراد : عبد الله بن سلاّم ورهطه من اليهود ، والنجاشي ورهطه من النصارى . السؤال الثاني : الوصف إنما يذكر للمبالغة فأي مبالغة تحصل في وصف الكافر بأنه فاسق . والجواب : الكافر قد يكون عدلاً في دينه وقد يكون فاسقاً في دينه فيكون مردوداً عند الطوائف كلهم ، لأن المسلمين لا يقبلونه لكفره ، والكفار لا يقبلونه لكونه فاسقاً فيما بينهم ، فكأنه قيل أهل الكتاب فريقان : منهم من آمن ، والذين ما آمنوا فهم فاسقون في أديانهم ، فليسوا ممن يجب الاقتداء بهم البتة عند أحد من العقلاء . أما قوله تعالى : * ( لن يضروكم إلا أذى ) * فاعلم أنه تعالى لما رغب المؤمنين في التصلب في إيمانهم وترك الالتفات إلى أقوال الكفار وأفعالهم بقوله * ( كنتم خير أمة ) * رغبهم فيه من وجه آخر ، وهو أنهم لا قدرة لهم على الاضرار بالمسلمين إلا بالقليل من القول الذي لا عبرة به ، ولو أنهم قاتلوا المسلمين صاروا منهزمين مخذولين ، وإذا كان كذلك لم يجب الالتفات إلى أقوالهم وأفعالهم ، وكل ذلك تقرير لما تقدم من قوله * ( إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب ) * ( آل عمران : 100 ) فهذا وجه النظم ، فأما قوله * ( لن يضروكم إلا أذى ) * فمعناه : أنه ليس على المسلمين من كفار أهل الكتاب ضرر وإنما منتهى أمرهم أن يؤذوكم باللسان ، إما بالطعن في محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام ،